.."عشان يبقى كله بالقانون"

Updated: Feb 27


في كل مرة أدخل فيها إلى أي دائرة حكومية خدمية أو أي شركة تجارية لأحصل على خدمة أو أشتري سلعة تدور في رأسي العديد من الأسئلة..  خاصة عندما أحصل على مستوى "ردئ" من المعاملة، ويشتعل الغضب داخلي إذا حصلت على معاملة طيبة من موظف طيّب أيضاً.. لماذا؟ لأن الطيب ليس له قانون ينصفه!

أفردنا للعقاب قوانين ومواد وعقوبات، ومراكز شرطية، وساحات للقضاء، وجيوش جرارة مجهزة بالعربات والأسلحة وأحدث وسائل الإتصال والرصد والتتبع، وسجوناً تستضيف نزلائها مأكلاً ومشرباً لأشهر وسنين.. وكليات القانون وجامعات ومؤلفات ودراسات ومعامل..

وبالمقابل ماذا فعلنا لمن يفعل الخير؟.. لا تقل لي أن الخير يجازي به الله ثواباً، فالشر أيضاً يجازي به الله عقاباً.. ولكن هنا على كوكب الأرض الذي نعمّره، في هذه الدنيا التي نمشي في مناكبها، في الحياة التي نُمتحن فيها ونعيشها، ماذا فعلنا بالمقابل لمن يحسن ويتفنن في الإحسان؟


ماذا لو كان هناك قانون يسمى قانون الإحسان يقابل قانون الجنايات؟


ومواد قانونية تحدد كل عمل خير والمكافأة المستحقة له، تماماً كما لكل جريمة عقاباً مستحقاً لها! ماذا لو تمّ فتح بلاغ في موظف عام تحت المادة 377 من قانون الإحسان، حيث أن "المتهم" قد قام في تاريخه بـ"إتقان عمله" بإجتهاد وتواضع مع سبق "الإصرار والترصد" وخدمة المراجعين بالدائرة التي يعمل بها، وبعد التحقيق معه، وسماع شهادة الشهود، وفحص الأدلة المادية، فإن "نيابة الإحسان والأخلاق الحميدة" قد قررت تحويله إلى المحكمة لتبت في أمره، ويبقى محبوساً في "فندق الشرطة ذو الخمسة نجوم" حتى يوم المحاكمة!! وتتدافع الصحف "الخضراء" المهتمة بنقل هذه النوعية من الأخبار، أمام المحكمة، إنتظاراً لنطق الحكم، ويصل النجم "المتهم" ويلتقطون له الصور ويتدافعون للحصول على تعليق من "محاميه" الذي يتخطاهم مسرعاً إلى قاعة المحكمة.. وهنا يصدر القاضي حكمه المنتظر: حكمت المحكمة حضورياً على النجم المتهم، بعشر سنوات! عشر سنوات من الرفاهية يقضيها على شاطئ المدينة، تحت حراسة مشددة من الخدم والحشم الذين يسهرون على راحته!

وهنا تظهر على محاميه الدارس في كلية القانون تخصص قانون الخير والإحسان علامات الغضب والإنزعاج، فالقاضي لم يستجب لمطالبه التي كانت تنص على أن يكون الحكم مؤبداً في هذا النعيم!.. ولكنه أخفق في إقناعه.

ماذا لو كان هناك ملحقاً للائحة جزاءات العمل والعمال ينص على مواد من شاكلة: التعامل الراقي للموظف، يوم إجازة..   الموظف الذي يقدم إقتراحاً تصرف له نصف يوم مع خطاب إنـ.. أقصد مع خطاب شكر..   الموظف الذي ينجز أكبر عدد من معاملات المواطنين يُسمح له بالخروج باكراً من العمل!!  أجل هكذا وباللائحة والقانون وبدون إمتنان!




لماذا نبذل كل الجهد في العقاب ولا نبذل ربع هذا الجهد في الثواب؟.. لماذا؟!


إن ميزانيات الدول لوزارات الداخلية تبلغ أرقاماً هائلة لحفظ الأمن والأمان والقبض على المجرمين والجناة وإبعادهم عن المجتمع، وبلغت في إحدى الدول العربية "الصغيرة" أكثر من 10 مليارات دولار في سنة واحدة، فكيف سيكون الحال إذا خصصنا 1% فقط من هذا المبلغ للصرف على "قوانين وتشريعات الإحسان".. 100 مليون دولار ستحقق الكثير في خلق توازن مجتمعي بين الثواب والعقاب تدفع بالمجتمع إلى مزيد من الطهر والنقاء والإحساس بالعدالة، والقضاء على كثير من مشاعر الإحباط وأحاديث النفس السلبية.. أتمنى من كل مسؤول وكل مدير ومدير إدارة أن يصنع قانوناً في إدارته ويعلقه في مكان واضح جنباً إلى جنب مع قوانين الجزاءات والعقاب.. وأن نسعى وندفع في هذا الإتجاه مقدار سعينا في الإتجاه المعاكس.. يجب أن نحض على الفضيلة بأكثر مما نكافح الجريمة.. لنجرب أن نفعل عكس ما وجدنا آباءنا عليه.. لعل وعسى ينعكس واقعنا المؤلم.. وفي هذه الحالة فقط تتحقق المقولة الشهيرة: "أهو يبقى كلو بالقانون"..

#أحمد_فاروق

5 views
  • White YouTube Icon
  • White Facebook Icon
  • White LinkedIn Icon
  • White Instagram Icon
mail%20(1)1_edited.png

+971-55 2780669

Dubai , United Arab Emirates

©2020 by Ahmad Farouk.